ابن الجوزي
125
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
فلما كان وقت الصلاة من يوم الجمعة صلى السلطان بالعسكر ، ودعا الله تعالى وابتهل وبكى وتضرع وقال لهم : نحن مع القوم تحت الناقص ، وأريد أن أطرح نفسي عليهم في هذه الساعة التي يدعى فيها لنا وللمسلمين على المنابر ، فإما أن أبلغ الغرض ، وإما أن أمضي شهيدا إلى الجنة ، فمن أحب أن يتبعني منكم فليتبعني ، ومن أحب أن ينصرف فليمض مصاحبا / عني ، فما هاهنا سلطان يأمر ، ولا عسكر يؤمر ، 62 / أفإنما أنا اليوم واحد منكم ، وغاز معكم ، فمن تبعني ووهب نفسه للَّه تعالى فله الجنة والغنيمة [ 1 ] ، ومن مضى حقت عليه النار والفضيحة . فقالوا له : أيها السلطان ، نحن عبيدك ، ومهما فعلته تبعناك فيه وأعنّاك عليه ، فافعل ما تريد . فرمى القوس والنشاب ، ولبس السلاح ، وأخذ الدبوس ، وعقد ذنب فرسه بيده وركبها ، ففعلوا مثله ، وزحف إلى الروم ، وصاح وصاحوا ، وحمل عليهم وثار الغبار ، واقتتلوا ساعة أجلت الحال فيها عن هزيمة الكفار ، فقتلوا يومهم وليلتهم القتل الذريع ، ونهبوا وسبوا النهب والسبي العظيم . ثم عاد السلطان إلى موضعه ، فدخل عليه الكهراي الخادم فقال : يا سلطان ، أحد غلماني قد ذكر أن ملك الروم في أسره ، وهذا الغلام عرض على نظام الملك في جملة العسكر فاحتقره وأسقطه ، فخوطب في أمره فأبى أن يثبته ، وقال مستهزئا ، لعله أن يجيئنا بملك الروم أسيرا ، فأجرى الله تعالى أسر ملك الروم على يده . واستبعد السلطان ذلك ، واستحضر غلاما يسمى : « شاذي » كان مضى دفعات مع الرسل إلى ملك الروم ، فأمره بمشاهدته وتحقيق أمره ، فمضى فرآه ثم عاد فقال : هو هو . فتقدم بضرب خيمة له ، ونقله إليها وتقييده وغل يده إلى عنقه ، وأن يوكل به مائة غلام ، وخلع على الَّذي أسره وحجبه ، وأعطاه ما اقترحه ، واستشرحه الحال فقال : قصدته وما أعرفه وحوله عشرة صبيان من الخدم ، فقال لي أحدهم : لا تقتله فإنه الملك فأسرته وحملته . فتقدم السلطان بإحضاره فأحضر بين يديه ، فضربه بيده ثلاث مقارع أو أربعا ،
--> [ 1 ] في الأصل : « للَّه تعالى له الغنيمة والجنة » .